ابن كثير

16

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد ، فأنزل اللّه آية اللعان وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ إلى أخر الآية ، قال : فدعاه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال « اشهد باللّه إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا » فشهد بذلك أربع شهادات . ثم قال له في الخامسة « ولعنة اللّه عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا » ففعل ، ثم دعاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « قومي فاشهدي باللّه إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا » فشهدت بذلك أربع شهادات ، ثم قال لها في الخامسة وغضب اللّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا » قال : فلما كانت الرابعة أو الخامسة ، سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت على القول ، ففرق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهما ، وقال « انظروا فإن جاءت به جعدا حمش الساقين ، فهو لشريك ابن سحماء ، وإن جاءت به أبيض سبطا قضي العينين ، فهو لهلال بن أمية » فجاءت به جعدا حمش الساقين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لولا ما نزل فيهما من كتاب اللّه لكان لي ولها شأن » . [ سورة النور ( 24 ) : آية 11 ] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار اللّه عز وجل لها ولنبيه صلوات اللّه وسلامه عليه ، فأنزل اللّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة ، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد اللّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين ، فإنه كان يجمعه ويستوشيه ، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به ، وجوزه آخرون منهم ، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن ، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها اللّه تعالى ، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا ، ذكروا أن عائشة رضي اللّه عنها زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها ، خرج بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه ، قالت عائشة رضي اللّه عنها : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمي ، وخرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذلك بعد ما

--> ( 1 ) المسند 6 / 194 - 197 .